صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

217

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

كتابة التنزيل : كانت الأمة أميّة عند نزول الوحي لم تنتشر بين أفرادها القراءة والكتابة ، غير أن هذا لا يعني الانعدام التام للكتابة في جميع الأنحاء ، فقد كانت مكة المكرمة منطقة تجارية ولها علاقاتها المستمرة مع اليمن والشام والعراق ، ولا شك في أن علاقات التجار وصفقاتهم تقتضي كتابة الاتفاقات والعقود والحسابات وأن تجري المراسلات بينهم وبين نظرائهم الموردين والمستوردين ، وعقود القروض والرهون وغير ذلك من المعاملات التجارية . ولقد كان من الثابت انتشار الخط الحميري في اليمن فقد كانت حمير تكتب الخط المسند وهي كتابة تختلف عن الكتابة العربية المعهودة ، وقد نقل ابن النديم نموذجا لذلك الخط في خزانة الخليفة المأمون عبد اللّه بن هارون مما أمر به الخليفة « 1 » وكذلك الحال في العراق وبلاد الشام حيث انتشرت الكتابة النبطيّة ، ثم وضعت الأبجدية العربية لأول مرة في الأنبار والحيرة . إن المشكلة التي تواجه الباحث في موضوع كتابة آيات التنزيل تحتم عليه الفصل بين أصل الخط العربي ونشأته ، وبين ما كان يدونه كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخاصة كتاب الوحي من خطوط . وذلك أن مسألة نشأة الخط العربي وأصوله مسألة خاصة لدينا حولها العديد من النظريات والنصوص ، ولا يخرج الحديث عنها عن إطار الفرضيات رغم وفرة النصوص ، حيث لا يستطيع أحد الجزم بدقتها خاصة في إطار التناقض في وجهات النظر المتعددة في هذا المجال . أما كتّاب الوحي فلا شك في أنهم باشروا بتدوين آيات الكتاب الحكيم بالخط العربي الذي كان سائدا في مكة المكرمة خلال فترة نزول الوحي ، ثم في المدينة بعد الهجرة . وذلك ما يفسر قول ابن النديم « فأول الخطوط العربية ، الخط المكي وبعده المدني « 2 » » ولذلك فإنه عاد فأشار إلى النمطين المذكورين في النص نفسه فقال : « فأما المكي والمدني ففي ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاج ( يسير ) « 3 » » « 4 » وذلك صريح في أن المقصود بالأولية هو بداية الكتابة في رسم المصاحف أو في فترة الدعوة الإسلامية . ومما يدعم هذا الرأي أن ابن النديم قد نص بعد ذلك على رسم صورة البسملة فاتحة لعنوان « خطوط المصاحف » ثم أورد بعد ذلك العنوان مباشرة ذكرا لعدد كبير من الخطوط « 5 » بدأها « بالمكي والمدني » « 6 » مما يوحي بمتابعته لتطور خطوط المصاحف في المدينة ، ولعل أولهما ما كتبت به صحف التنزيل الكريم ، وثانيهما ما كتب به المصحف عند جمعه في عهد الراشدين « 7 » . وقد روى البلاذري عن أبي بكر بن عبد اللّه العدوي قال : « دخل الإسلام ( مكة )

--> ( 1 ) ابن النديم - الفهرست ص / 8 . ( 2 ) المرجع السابق ص / 9 . ( 3 ) في الأصل « يصير » ولا معنى لها في الجملة التي انتهت وهي تصحيف . ( 4 ) الفهرست ص / 9 . ( 5 ) تجاوزت العشرين . ( 6 ) الفهرست ص / 9 . ( 7 ) انظر الجمع الأول والجمع الثاني في عهدي الصديق وعثمان بن عفان ، في الفصل الثالث من هذا البحث .